فخر الدين الرازي
55
تفسير الرازي
: الثانية : أن يكون مفيداً لظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا ، والرجل هو حبيب النجار كان ينحت الأصنام وقد آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل وجوده حيث صار من العلماء بكتاب الله ، ورأى فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم وبعثته . المسألة الثانية : قوله : * ( يسعى ) * تبصرة للمؤمنين وهداية لهم ، ليكونوا في النصح باذلين جهدهم ، وقد ذكرنا فائدة قوله : * ( من أقصى المدينة ) * وهي تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من في أقصى المدينة والمدينة هي أنطاكية ، وهي كانت كبيرة شاسعة وهي الآن دون ذلك ومع هذا فهي كبيرة وقوله تعالى : * ( قال يا قوم اتبعوا المرسلين ) * فيه معان لطيفة الأول : في قوله : * ( يا قوم ) * فإنه ينبئ عن إشفاق عليهم وشفقة فإن إضافتهم إلى نفسه بقوله : * ( يا قوم ) * يفيد أنه لا يريد بهم إلا خيراً ، وهذا مثل قول مؤمن آل فرعون * ( يا قوم اتبعونِ ) * ( غافر : 38 ) فإن قيل قال هذا الرجل * ( اتبعوا المرسلين ) * وقال ذلك * ( اتبعونِ ) * فما الفرق ؟ نقول هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم وما رأوا سيرته ، فقال : اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل ، وأما مؤمن آل فرعون فكان فيهم واتبع موسى ونصحهم مراراً فقال اتبعوني في الإيمان بموسى وهارون عليهما السلام ، واعلموا أنه لو لم يكن خيراً لما اخترته لنفسي وأنتم تعلمون أني اخترته ، ولم يكن للرجل الذي جاء من أقصى المدينة أن يقول أنتم تعلمون اتباعي لهم الثاني : جمع بين إظهار النصحية وإظهار إيمانه فقوله : * ( اتبعوا ) * نصيحة وقوله : * ( المرسلين ) * إظهار أنه آمن الثالث : قدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان لأنه كان ساعياً في النصح ، وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله : * ( رجل يسعى ) * يدل على كونه مريداً للنصح وما ذكر في حكايته أنه كان يقتل وهو يقول : " اللهم اهد قومي " . ثم قال تعالى : * ( اتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْاَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ) * وهذا في غاية الحسن وذلك من حيث إنه لما قال : * ( اتبعوا المرسلين ) * كأنهم منعوا كونهم مرسلين فنزل درجة وقال لا شك أن الخلق في الدنيا سالكون طريقة وطالبون للاستقامة ، والطريق إذا حصل فيه دليل يدل يجب اتباعه ، والامتناع من الاتباع لا يحسن إلا عند أحد أمرين ، إما مغالاة الدليل في طلب الأجرة ، وإما عند عدم الاعتماد على اهتدائه ومعرفته الطريق ، لكن هؤلاء لا يطلبون أجرة وهم مهتدون عالمون بالطريقة المستقيمة الموصلة إلى الحق ، فهب أنهم ليسوا بمرسلين هادين ، أليسوا بمهتدين ، * ( وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) * ثم قال تعالى : ) * وما لِيَ لا أعبد الذي فطرني ) * لما قال : * ( وهم مهتدون ) * ( يس : 21 ) بين ظهور اهتدائهم بأنهم يدعون من عبادة الجماد إلى عبادة الحي القويم ، ومن عبادة ما لا ينفع إلى عبادة من منه كل نفع وفيه لطائف : الأولى قوله : * ( مالي ) * أي مالي مانع من جانبي . إشارة إلى أن الأمر من جهة المعبود ظاهر لا خفاء فيه ، فمن يمتنع من عبادته يكون من جانبه مانع ولا مانع من جانبي فلا جرم